محنة أمة
الحلقة الأولى : تقديم وتمهيد
الحمد لله الذي له العزة والجبروت، وبيده الملك والملكوت، وله الأسماء الحسنى والنعوت، استعمرنا في الأرض أجيالاً وأمماً، وقسم لنا فيها أرزاقاً وقسماً، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وعلى نبينا محمد الرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه مصابيح الدجى، ومن اهتدى بهديهم ونهج نهجهم واقتدى بهم وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فإن الناظر إلى حال أمتنا الإسلامية يجدها تمر بمحنة في مختلف جوانبها, فبحق نحن نعيش في محنة وأي محنة! محنة جعلت الكثير منا في وضع لا يستطيع فيه التعامل مع المتغيرات المستجدة بين اللحظة واللحظة, وما أصعبها من متغيرات لا يثبت أمامها إلا من وقر الإيمان في قلبه وثبت على الحق وأرجع كل أمر إلى الشرع, وفي هذه الحلقات نبدأها ببعض ما أصابنا من المحن ونمهد لها بتعريف المحنة فالمحنَهُ: تقول ( اخْتَبَرَهُ كامْتَحَنَه) والجَمْعُ المِحَنُ وهي التي يُمْتَحَنُ بها الإِنْسانُ مِن بليةٍ نَسْتَجِيرُ بكَرَمِ اللَّهِ تعالى منها, وقيل: المِحَنِ ) بالكسر جمع مِحْنَة وهي البَليَّة والمُصِيبة أي يحال دونها (تاج العروس 36/153, ومختار الصحاح: 1/257, ), قال شيخ الإسلام: وغالب من يَتعرض للمحن والابتلاء ليرتفع بها ينخفص بها لعدم ثباته في المحن بخلاف من ابتلاه الحق ابتداء كما قال تعالى (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) سورة آل عمران 143 وقال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) سورة الصف 3 (الإستقامة: 2/56) وتأتي المحن والابتلاءات فتجعل القلب أكثر يقظةً، فينهض من الغفلة والتعلُّق بالدنيا وما فيها، ويسير هذا القلب بين خوف ورجاء.. خوف مقرون بالمحبة والاشتياق.. خوف من الله وليس من العباد ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 175). خوف يؤدي إلى المسارعة في طلب المغفرة والتوبة إلى الله وحسن الإنابة إليه، ورجاء يبعث العامل على الاجتهاد، ويولِّد التلذُّذ بالطاعة، ويوقظ النفس فينشطها ببذل الجهد والإقبال على الطاعات؛ لأنه رجاء من يستشعر لقاء ربه ويرجو رضاه، فأملنا في الله كبير، ورجاؤنا فيه عظيم. ويكون القرآن هو الأنيس والجليس؛ يتزوَّد منه بالتلاوة والحفظ والتدبُّر والحرص على تمثُّل معانيه واقعًا وحالاً وسلوكًا؛ فالقرآن هو بستان القلوب وجلاؤها مما قد يعلق بها، فتلين القلوب وترتقي النفوس وتصفو الأرواح وتمتلئ الوجوه بنور القرآن، وتتسع العقول لمعانيه وحكمه، وتنهض الجوارح بأفعاله وأعماله.
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم |