التأصيل والبيان لمن سأل عن شهادة اللاعب بالحمام
الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..... أما بعد:
إن الله - عز وجل - ما نهى عن شيء إلا لضرره وعلته, وما اجتمعت المنهيات في قوم وكثرت عندهم واشتهروا بها أو رضوا بها إلا حل عليهم غضب على الله؛ ــ أعاذنا الله وإياكم من غضبه وسخطه ــ وقد جاء في القرآن أمثلة كثيرة على ذلك، فكانت عبرة لمن اعتبر وحكمة وموعظة لأولي الألباب.
وقد أثير في الأيام الماضية أمامي موضوع اللعب بالحمام، وما كنت أظن أن يكون في بلاد الحرمين من يُقبل على هذا الفعل؛ ومن عجيب ما سمعت أن الأكثرية استغربوا واستنكروا قضية عدم قبول شهادة من يمارس ذلك دون أن أجد من يسأل أو يستفسر عن حكم العمل نفسه، فهل أصبح الأمر مألوفًا لدرجة أن ما يتعلق به غير مقبول؟ حتى وإن كان الشرع قد نهى عن أصل الفعل أم أن هذا تنبيه وتحذير من أن الأكثرية هجروا علوم دينهم وكتب سلفهم إلى أن بلغنا إلى ذلك الحد! وأود في بادئ الأمر أن أفرق بين اللعب بالحمام والتجارة والاستثمار فيه.
فأما التجارة بالبيع والشراء والتربية فهذا أمر جائز ومباح طالما لم يتعلق ذلك بأمر منهي عنه, أما اللعب واللهو بالحمام فهذا غير جائز، وفي السطور التالية سأذكر ما جاء عن أهل العلم فيه لعل الله أن ينير القلوب ويصلح النفوس.
قال ابن القيم- رحمه الله-: وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ اللَّاعِبِينَ بِالْحَمَامِ على رُءُوسِ الناس فَإِنَّهُمْ يَتَوَسَّلُونَ بِذَلِكَ إلَى الْإِشْرَافِ عليهم وَالتَّطَلُّعِ على عَوْرَاتِهِمْ وقد رَوَي عن أبي دَاوُد في سُنَنِهِ من حديث أبي هُرَيْرَةَ ــ رضي الله عنه ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فقال: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» (أخرجه أبو داود:4940, وابن ماجه: 3765, والبخاري في الأدب المفرد:1300- وقال الألباني: حديث حسن صحيح)
وقال إبْرَاهِيمُ النخعي- رحمه الله-: من لَعِبَ بِالْحَمَائِمِ الطَّيَّارَةِ لم يَمُتْ حتى يَذُوقَ أَلَمَ الْفَقْرِ, وقال الْحَسَنُ- رحمه الله-: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ ـــ رضي الله عنه ــ وهو يَخْطُبُ: يَأْمُرُ بِذَبْحِ الْحَمَامِ وَقَتْلِ الْكِلَابِ [أخرجه الإمام أحمد في المسند:522]
وقال خَالِدٌ الْحَذَّاءُ - رحمه الله- عن بَعْضِ التَّابِعِينَ قال: كان تَلَاعُبُ آلِ فِرْعَوْنَ بِالْحَمَامِ, وكان شُرَيْحٌ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ حَمَّامٍ وَلَا حَمَامٍ .
وقال ابن الْمُبَارَكِ - رحمه الله- عن سُفْيَانَ ـــ رضي الله عنه ــ سَمِعْنَا أَنَّ اللَّعِبَ بالجلاهق وَاللَّعِبَ بِالْحَمَامِ من عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ, وَذَكَرَ البيهقي عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ ـــ رضي الله عنهما ــ قال: شَهِدْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - رضي اللَّهُ عنه - يَأْمُرُ بِالْحَمَائِمِ الطَّيَّارَةِ، فَيُذْبَحْنَ وَيَتْرُكُ الْمُقَصَّصَاتِ [انظر: الطرق الحكمية 1/409]
وقال مجاهد – رضي الله عنه- في تفسير قوله ـــ تعالى ــ:﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ [العنكبوت: 29] كان أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والحذف ونبذ خلق الحياء في جميع أمورهم، وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فالتناهي واجب. [انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 4/314, وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 3/413, والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/342, وروح المعاني: 20/153, والبحر المحيط: 7/145]
ولا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج يقامر عليها، ولا مَنْ يلعب بالحمام ويطيرها، وكذلك من يكثر الحلف بالكذب لا تجوز شهادته [انظر: أحكام القرآن للجصاص 2/234, والبحر المحيط: 2/364, التنبيه: 1/269, والمبسوط: 16/131, وبدائع الصنائع: 6/269, وحاشية ابن عابدين: 7/151, المحلى: 9/395]
وقال ابن قدامة: واللاعب بالحمام يطيرها لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام ولا حمَّام؛ وذلك لأنه سَفه ودناءة وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره وإشرافه على دورهم ورميه إياها بالحجارة [المغني: 10/172]
أما صفة العدالة في الشاهد: فقد نص عليها صاحب مختصر اختلاف العلماء بقوله: من سَلِم من الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ما يجب فيه الحد من العظائم وكان يؤدي الفرائض وأخلاق البِرِّ فيه أكثرُ من المعاصي قَبِلْنا شهادته لأنه لا يَسلم عبد من ذنب, وإن كانت المعاصي أكثر رددنا شهادته، ولا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج، ويقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، وكذلك من يكثر الحَلِف بالكذب، لا تجوز شهادة هؤلاء [مختصر اختلاف العلماء 3/374]
وفي ختام هذه الكلمات أتساءل هل وصلت همم البعض إلى اللعب واللهو بالطيور!؟ هل بلغ التهاون بالوقت إلى هذا الحد؟ فأين إذاً مَنْ هِمَّتهم حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أين الذاكرون القائمون!!؟.
الله أسأل أن يرد المتهاونين إلى رشدهم! وأن يحفظ المسلمين من العبث والخذلان! وأن يجعلنا جميعا ممن يعتصم بكتاب الله وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.... آمين.
|